حمى الاستثمار الخبيثة

طيور شنو البتقولوا عليها.. الاستثمار.. نحن عايزين عائد


 
مازالت الاعتداءات تتوالى علي النيل الأبيض و الأزرق و النيل و أحسب إن سارت بذلك التواتر إن تؤثر على كل المجرى إن لم تحتوى...ابتدأت بغسيل السيارات مرورا براجع زيوت الطاقة الحرارية لتوليد الكهرباء و مياه المجاري و دي الحاجات الظاهرة التي نراها و نرى أثرها فما بالك بالذي لا نراه و نحسه الآن و يظهر تأثيره بعد فترة... "و كله من السواق دا" علي رأي ناس "قروشي.. شي..شي" في شريط الكاسيت الرائج هذه الأيام.. "السواق سايق ليه حديدة.. مسكين جاري ورا التوريده.. ما فاضي لدوشة شديده" فأصابت حمى الجري وراء الاستثمار معظم مسئولينا غير عابئين بالآراء الفنية للباحثين و المجتمع المدني.. ففي رأيهم إنها جعجعة مثقفاتية لا موضوعية فيهاو لا منطق كما عبر عنها ذلك المسئول في الاجتماع التشاوري للاستثمار في غابة السنط "طيور شنو البتقولوا عليها.. الاستثمار.. نحن عايزين عائد !!". فأصبحت كلمة الربط السحرية هذه الأيام رائجة فالجمارك، خدمات الشرطة، الضرائب و حتى مفترشي الطبالي عليهم ربط معين يستوجب تقديمه لاستمراريتهم فصار علي كل مقدمي الخدمات و غير مقدمي الخدمات تجهيز توريده "ولو بأخنق فطس" يقدمونها لبيت مال السودان ليحكمنا بها أولي الأمر كما عبر عنها أحد الكتاب ".
 
الغريب إن المسؤولين الذين تولوا تلك المناصب كانوا معنا في الجامعات و مراكز البحث و كانت لهم نظراتهم الموضوعية و يقيمون الأمور و يتحدثون عن التنمية المستدامة و عن حماية البيئة و حقوق الإنسان و لكنهم ما أن تبوئوا المناصب حتى اختلف الحال.. نعم اختلف الحال الآن.. "إن مشاريعكم لا غبار عليها و لكنها ليست بها Glamour  فلا أستطيع أن أدافع عنها و أتبناها فإذا كانت ذات عائد اقتصادي سريع و بها استيراد أو تجارة لوجدت لها التمويل بأسرع ما يمكن.." فما الذي يدفع المسؤول الكبير جدا أن يتحدث هكذا.. و لولا انه كان يتحدث إلى زملائه الباحثين السابقين لما أوضح لهم بهذه الصراحة و لما قابلهم من أصله.. فالمشاريع التي تحدث عنها كانت تعنى بصيانة التربة و تقليل انجرافها و لكن كما قال ليست ذات عائد سريع يتباهى به المسؤول عند تقديمها.. فما الذي جعل المسؤولين عندنا متعددي الوجوه فاختلفت أولوياتهم الآن عندما ركبوا قطار الإنقاذ الاستثماري. إنها حمي الاستثمار الخبيثة..
 
فمن واجبنا نحن ناس البيئة و التنمية أن نقاوم تلك الحمى و ننظر للبيئة و التنمية كوجهان لعملة واحدة و أن تكون نظرتنا عميقة و تصرفاتنا موزونة فالتنمية واجب تتنوع و تتقدم أساليبها مع تقدم الإنسان و ازدياد احتياجاته و لكن كيف تكون التنمية بمعزل عن البيئة.. لذا اتفق علي أن تكون التنمية المستدامة هي المخرج لكل قضايانا. التنمية التي تلبي احتياجات الإنسان الحالية و تؤمن حاجات الأجيال القادمة. فان الأرض التي نستخدم مواردها الآن ليست لنا بل استعرناها من الأجيال القادمة، فمن واجبنا أن نسلمها لهم سليمة معافاة من كل سوء. فالسودان قد وقع و صادق على كل الاتفاقيات الدولية التي تعني بالبيئة و التنمية و لا أحسب أن مسئولينا قد وقعوا قبل أن يقرءوا تلك الاتفاقيات و التي أقرت بمنهج التنمية المستدامة و التخطيط القاعدي الذي يشرك القاعدة في التخطيط و اتخاذ القرار لكي يأتي القرار معبرا عن تطلعات القاعدة "مش القاعدة ديك.." و محققا لأولوياتهم لكي يشعروا بأنهم شركاء في عملية التنمية يساهمون فيها و يحافظون علي مقدراتها. و ليس كما كان سابقا فالحكومة كانت تعرف ما نريد.. تجمع نفرا كريما في قاعة الصداقة ليكتبوا الاستراتيجية القومية الشاملة؛ خمسية و ستية أو عشرية و تضاعف الرقم الآن إلى ربع قرنية.. 
 
فبنظرة سريعة للمشاريع ذات التخطيط الفوقي خلال الربع قرن الماضي تنبئك عن حجم الخسائر التي تكبدها السودان لفشل تلك المشاريع.. فلماذا يصر المسئولين الآن و بعد كل التجارب للتخطيط الفوقي الفاشل أن يستمروا فيه.. فما الذي جنيناه من إزالة حديقة الحيوان.. دمارا لها و للحيوانات و اندثار ارث عمره أكثر من سبعين عام و ما الذي سوف نجنيه من الاستثمار في غابة السنط؛ ندمر بيئتها الطبيعية إذ أن الأشجار التي تنمو بها تتحمل غمر المياه خلال الفيضان لتعود و تزدهر بعد انحساره فبناء الكورنيش يؤثر في مسار المياه فيكون خطرها أكبر علي المناطق المتاخمة للنيل مثل الفتيحاب، جزيرة توتي و غيرها من المناطق و يتغير شكل النيل.. فهل نريد ذلك !!