محطة سابعة: برلوم زراعة

و أذكر دعائنا الذي تحقق بأن ترزق الجمعية بإحدى الماريتين


 أبوبكر- حنفي و خالد
لا أدري هل هي سنة البرلم المجهدة أم تغير المقرر من اللغة العربية إلي الإنجليزي ما تأخر بنتيجتي فدخلت كلية الزراعة، و ذهبنا إلي شمبات عام 1974 فكنا نناهز المائة طالب و طالبة، علوية مصطفي، محمد الفاتح أبوستة، أبو بكر أرو، صديق و كمال عبد الله، كمال الصبي، كمال أبو دقن، جمال الهلالية. استقبلنا عميد كلية الزراعة وقتها بروفسير بيومي مهنئا بانضمامنا إلي كلية الزراعة و مباركا دخول بنات كثر إلي الكلية معنا إذ كانت الدفعة نصفها من البنات. فتقدمت الأيام و تصادف اعتصام 1974 الشهير بجامعة الخرطوم الذي أغلقت الجامعة علي أثره حينا من الدهر فلما فتحت الجامعة تبينا بأننا قد فقدنا عددا ليس بالقليل من أصدقائي إلي جامعة الزقازيق بمصر أذكر منهم كمال الصبي، محمد الفاتح، عودة، جمال. 
 
أولى الداخليات كانت تسمى كردفان و تصادف ان أكون البرلوم الوحيد فيها فكان سكان الغرفة من السنة الثالثة؛ كامل عثمان و زميله من شندي و هشام المرضي طالب كلية البيطرة رحمه الله فقد قضى غرقا في المملكة العربية السعودية بعد ذلك بأعوام. كان كامل و زميله من شندي فلما عرفوا انني بلدياتهم صرنا من أعظم الرفقاء و قضيت معهم سنة جميلة تعرفت خلالها بالمزيد من أفراد دفعتهم و تعرفوا هم بما أزامل من دفعتنا ... تغير الحال في السنة الثانية و انتقلت للسكن مع زملائي الحقيقين ... أفراد الدفعة فكان أبوبكر و صديق يوسف ثم تنقلنا من داخلية إلي أخرى فسكنت في جبل مرة، كردفان و الجديدة.
 
تتميز شمبات بجوها الريفي اذ تقع بالقرب من مرسى المراكب و تجاور تلك البيوت البسيطة للعمال و المزارعين لأراضي شمبات فكانت اجتماعياتنا ممتازة و نشاطاتنا كثيفة في الجمعيات و المنتديات و الرياضة. فقد كنت في جمعية الألبان لا أدرى لماذا هل لحبي لمنتجات الألبان أم لأنها كانت بقيادة صديقي أبوبكر و كان بها مجموعة من البنات السمحات فقد كان بها أيضا كمال أبودقن و غيرهم و أذكر دعائنا الذي تحقق بأن ترزق الجمعية بإحدى الماريتين فقد تميزت كلية شمبات باثنتين اسمهم ماريا و كانتا علي قدر من الجمال... انضمت أحداهن إلي جمعيتنا ثم تلي انضمام الكثيرين الذين لا يقلون عنهم جمالا .. فكانت نشاطاتنا ثرة و معارضنا ملفتة و منتجاتنا قبلة للزوار في المعارض فكان هناك الآيس كريم و غيره من الطيبات التي تقدمها الطيبات من جمعيتنا.
 
في عام 1978 و مع مجموعة بقيادة كمال قسم الخالق "أبو دقن" انخرطنا في برنامج تبادل مع مؤسسة كونكورديا بانجلترا و ذهبنا في الصيف إلي لندن بمساعدة وزير الشباب و الرياضة حينذاك زين العابدين محمد عبد القادر جار أبو دقن حيث منحنا نصف قيمة التذكرة مائة جنيه لكل أتممتها من الوالد و تكفل عصمت ميرغني باستخراج جواز السفر و منحني مبلغ مائة و خمسين دولار. كانت تذكرتي علي الخطوط الإيطالية بمساعدة فريد إبراهيم رمضان دفعتي في الوسطي و موظف الخطوط الإيطالية وقتها.. حطت الطائرة بنا في مطار روما يوم 15 يونيو 1978 و جلسنا بعض الوقت لتغيير الطائرة لنصل إلي لندن في العاشرة مساء ... تجربة صعبة لأول مرة اجتزتها بنجاح فقد تذكرت اسم المنطقة التي ينزل بها والدي كل مرة بعد مشوار مع تاكسي أخذته من محطة فيكتوريا. فوصلت الحادية عشرة ليلا لفندق في سسك قاردن فدخلت في غرفة بمبلغ ستة جنيهات إسترليني في اليوم مع الفطور فقالت لي السيدة التي تدير الفندق بأنهم يقدمون الإفطار ما بين السادسة و الثامنة صباحا.
 
صحوت مبكرا صباح اليوم التالي لتناول طعام الإفطار بالرغم من الإرهاق و لكنه كان إفطارا جميلا فلأول مرة أتعرف علي البيكون و الفاصوليا بالسكر يالاضافة إلي البيض الذي نعرفه. و لما كان اليوم سبت و أمامي يومان إجازة فقد قررت البقاء في الفندق لمدة ثلاث أيام. بعد إفطار اليوم الأول نزلت بحزر لأستكشف المنطقة حول الفندق فكانت هايدبارك علي بعد خطوات، فهي من أشهر الحدائق التي تعج بالرواد خاصة أيان العطلات و تعج بأركان النقاش .. طفت بها ركن ركنا اسمع لهذا و اضحك في ذلك فقد كانوا خليط من السياسيين أو المدعيين و الذين يجيدوا المراوغة و الخطب الحماسية التي تؤجج النشاط كما يوجد بالحديقة أيضا أركانا للرسامين و الذين جلست لأحدهم ليرسمني فلم أتبين عندما سلمني اللوحة إلا إلي شاب زنجي لا أعرفه مدهون باللون الأسود و دفعت له عن غير رضي تقديرا لمجهوده ... يوجد بالحديقة مغنيين شباب غايتهم الإسترليني كما يبدوا جزاءا لغنائهم المستمر. قضيت يوما جميلا تناولت الايسكريم و الهوت دوج لاول مرة و اشتريت صحف و جلست أقراء .. من باب أعرف عنهم.
 
التقيت في الحديقة السمؤل عثمان منصور فعرفني ان كمال صديقي و زميلي لرحلة الحصاد تلك ينزل معهم في منزلهم .. و لكنه ليس موجودا اليوم فقد غادر إلي برايتون فأخرجت له الخريطة عله يدلني أين برايتون فقال إنها ليست في مرمى الخريطة و يتطلب الذهاب إليها قطارا. أكملت ذلك اليوم تسكعا من شارع إلي آخر حتى وجدت سودانيا آخرا أعرفه من العمارات فأخذ عنواني ليمر علي مساء .. فواصلت مسيرتي مستعينا بالخريطة فكل شئ فيها إلا برايتون.
 
 يا لها من تجربة، تحركت بعدها إلي منطقة برايتون مقر مؤسسة كونكورديا المعنية ببرنامج التبادل الطلابي و التي وصلتها في الثانية عشر صباح الاثنين فوجدت مكتب كونكورديا و لكنهم كانوا يستعدون لمغادرة المكتب لتناول الغداء فأشاروا إلي الحضور بعد ساعة و قالوا لي ان فردا من موطنك قد جاء قبلك و لا بد أن يكون في الجوار فبحثت عنه و فعلا كان سودانيا فكيف عرفوني إنني سوداني قبل أن أبرز لهم أي أوراق.. لابد أننا نتشابه كثيرا. بالفعل وجدته يهم بدخول مطعم .. دخلناه سويا و تناولنا غدائنا و من ثم عدنا إلي مكتب التبادل الطلابي. خلصنا اجراءتنا و حملنا أوراقنا و عنوان المعسكر و ترافقنا إلي المعسكر الذي وصلناه في ذات المساء بعد ركوبنا لقطر محلي و من ثم أوتو ستوب.
 
استلمنا مدير المعسكر في ذلك الليل و منحنا تذاكر عديدة لتناول الطعام لمدة أسبوع و ذهب بنا إلي غرفتنا. كانت الغرفة كبيرة بها عددا من السرائر اخترنا سريرين متجاورين و خلدنا إلي النوم فقد كان يوما شاقا... إلا أن الاثارة و التشوق أخرجنا من السرير في وقت باكر ذهبنا فيه إلي غرفة الطعام و تناولنا إفطارنا... قابلنا مدير المعسكر و قال لنا إذا وددتم ان تبدؤا العمل اليوم كونوا علي استعداد في الثامنة صباحا و كانت وقتها السابعة و النصف. وزعنا علي سيارتين فرقتنا من بعض فكان دوري في ذلك اليوم مرافقة مزارع يجني القوز بيري ... فجمعت و معي بعض العمال و المتطوعين الكثير ذلك اليوم و قبضت أول أجرة لي و التي كانت عبارة عن سبعة جنيهات و نصف من ورق الإسترليني الجميل التي تزينة الملكة.
 
مكثنا أسبوعين في ذلك المعسكر فقد كنا ثلاثة سودانيين وسط مجموعة من مختلف الدول نعمل في جني الثمار في المزارع و نساعد في القلع، تسوية التربة و الزراعة و حصدنا الكثير من الثمار التي نعرفها و التي لا نعرفها و ننال أجرتنا في آخر اليوم؛ تجربة ثرة صقلتنا اجتماعيا حيث تعرفنا إلي الكثير من الشباب في المعسكر عند العمل في المزارع و في حفلات الترفيه التي كانت تقام كل أسبوع و غرفة الطعام و غرف التلفزيون و المقهى المجاور للمعسكر. غيرنا معسكر كونكورديا بعد أن علمنا بأن هناك معسكرا أكثر شعبية و به مزيدا من السودانيين. وصلنا إلي معسكر فرايداي بريدج و حقا كان متميزا، وجدنا مجموعة من السودانيين.. الرشيد، صلاح عثمان و آخرين من كلية الهندسة فقد كانت تلك المعسكرات فرصة طيبة للعمل و التعرف علي طلبة يعملون في الأجازات من جميع أنحاء العالم فمكثنا أسبوعين آخرين. ثم رجعنا إلي لندن و مكثنا قرابة الأسبوع لنرجع إلي الخرطوم بعد أحلى و أجمل تجربة عشتها و لاول مرة خارج السودان.
 
كانت أيضا الرحلة الداخلية للجامعة من أميز المناسبات التي قاربت بين أفراد الدفعة فابتدأت رحلتنا لمدة عشرة أيام في شتاء 1977 بدأ بالقضارف ثم حلفا الجديدة ثم كسلا .. كانت بحق من أميز الأيام التي ساهمت بتقوية علاقاتي بأفراد الدفعة و تعرفنا علي القضارف التي نزلنا فيها بمدرسة ثانوية .. و من ثم إلي حلفا الجديدة حيث مكثنا في المدرسة الزراعية ثم إلي كسلا التي غادرناها عن طريق البطانة إلي الخرطوم مباشرة .
 

دخلت إلي قسم الكيمياء الحيوية و التربة في السنة الرابعة كتخصص في الكلية و كان معي من أقراني في القسم مصدق، ست الليل، إحسان حمزة و "الرام" فقد أطلق كمال أبودقن عليها هذا اللقب الذي يعنى الحمل الصغير الذي يشتهر بوداعته ... درسنا د. ضرار، د. التني و د. بابكر و د. هابش و ناس مركز بحوث الأغذية و غيرهم حتى تخرجنا في ابريل 1979 في كلية الزراعة و استلمنا شهاداتنا في يونيو و لم نمكث سوى بضعة أيام حتى عينت بعدها في إدارة صيانة التربة و استثمار الأراضي.

13 أبريل 08

و الي لقاء في محطة موظف...