محطة خامسة: تاني كبكبة

أدخلت تلك الرسالة وسط كراس الانشاء لماذا لم أدرى ربما ليكون قريبا من بعض كتاباتي


 
ثاني تلك التجارب التي حفلت بالاثارات و تحريك المشاعر و التي "تكبكبت" فيها هي تلك المرة عندما استوقفتني إياها و هي تسأل "انت عايز مني شنو..؟"
فارتبكت و برطمت بكلمات غير مفهومة ربما قصدت منها "سأكتب لك قريبا بما يعتمل به صدري"

و يبدو إن انتظارها لتلك الرسالة قد مر عليه الكثير من الأيام و عيل صبرها... وليها حق كل يوم ماشي و راجع من المدرسة و ما في حاجة و كل ما أفعله رمقها بنظرة حالمة لا تغني و لا تسمن من جوع و أنا ماشي بالدراجة فقد كنت في وقتها في أولي ثانوي و امتلك دراجة جديدة من نوع روبن هود لا يوجد الكثير منها في وسط تلاميذ المدارس و أتباهى بها وسط إقراني و بالقرب من مدارس البنات. ففي المشوار اليومي إلي مدرستي ناحية الغرب تمر هي بنفس الشارع إلي الشرق و نتلاقى يوميا تقريبا في الروحة و الغداة، لم تلفت أنظاري في البدء فهي ذات شكل عادي تمشي باستحياء حاملة شنطتها التي تنسدل من كتفها و طرحة بيضاء فوق رأسها العادي و وجهها المستدير الذي يعتمر جسما نابضا بالحياة...منظر عادي و لكن لاحظت أنها تسير وحيدة دائما و عندما نتقاطع في الطريق ترمقني بنظرة.

 
يبدو إني بدأت اشتاق لتلك النظرة كل يوم فدققت أكثر في مواعيدي حتى لا تفوتني تلك النظرة و لم تتعدى مغامرتنا تلك الكلمات يومها و انتظارها للرسالة التي لم تكتب... علم زميل لي يعرفها بوعدي الذي قطعته و لم أحققه فسألني "وين الرسالة القلت حتكتبها للبت" فقرر من باب المداعبة أن يكتب هو رسالة كمن أرسلتها هي إلي، كتب فيها كلاما ملئ بالحب و لكنني سرعان ما اكتشفت زيفه عند ملاحظتي للهفته لمعرفة الرسالة التي جاءتني بالبوسطة و إصراره لمعرفة ما فيها... و اكتشافي علي الفور خلوها من كلام الحب الحقيقي و أهمها انه كتبها بخطه هو الذي اعرفه جيدا... ضحكنا و اعترف بفعلته.
 
سارت أيامنا بنفس الوتيرة مرة نتصادف في الطريق و مرات لا نرى البعض و مرات عديدة تكون مع صديقاتها اذ يبدو أنها صارت في حوجة الي رفقة تتغلب بها على وحشة الطريق و صديقة تبث لها مغامراتها و تكتم أسرارها فكنت أفرأ في عيون صديقاتها انهن يعرفن... فصرت أتعمد التجاهل مرات و لكن عندما لا أقوى فلهن تلك النظرة التي تشبع بعضا من فضولهم في انتظار ما طال انتظارهم له "أين تلك الرسالة" فمدرستنا تقع في الخرطوم جنوب و نمر في طريقنا الي المنزل بالكثير من مدارس البنات... يبدو أنها قلقت و تعبت من انتظار تلك الرسالة فقررت أن تشجعني خاصة و أن الولد قيافة و عجلتة لبنية يمكن أن يكون مشروعا ما بطال للارتباط.
 
لم تمضي أياما حتى جاءت رسالتها الحقيقية التي أرسلتها لي باستحياء لم أعد اذكر أبالبوسطة أو بمرسال المهم هي رسالتها بشحمها و لحمها وصلتني صباح احدى الأيام ففضلت أن لا أعرضها لصديقي مع انها كانت يمكن أن تكون مادة أتفوق عليه بها و أثير غيظه فالرسالة وصلت حقيقة بدلا من رسالته الزائفة فقررت تعرض نفسي لمزيدا من التشويق و الخصوصية أن أفض تلك الرسالة و أقرأها وحدي بعد الحصص... أدخلت تلك الرسالة وسط كراس الانشاء لماذا لم أدرى ربما ليكون قريبا من بعض كتاباتي فلقد كنت كاتبا ممتازا للانشاء دائما ما تقرأ مواضيعي علي الفصل و أتلقى الاشادة...
 
مضت الحصص متثاقلة و كأن المدرسة كلها عرفت أن لدي رسالة أريد أن أقرأها بعد انتهاء الحصص وحدي، فحصة الفطور التي كانت تمر كالنسيم مرت ذلك اليوم و كأنها دهرا و العجب حصة الجغرافيا السادسة و الأخيرة باتت كأنها يوما بحاله و سرحت ذلك اليوم و كنت غائبا بفكري من تلك الحصص ماذا يا ترى في تلك الرسالة... أفيها من كلمات الغزل و الحب ما يروي غليلي أم فيها اشارات أم طلبا لموعد ... لا يمكن كيف تطلب موعا للقاء دون توطيد معرفتنا ببعض و لكنها تعرفني منذ نحو الثلاث أشهر اوليس هذا الزمن بكاف لازالة خجلها... و صرت اضع سيناريو بعد آخر ماذا سوف يكون ردي لو طلبت مقابلتي و ماذا سيكون ردي ان ذكرت بأنها لا تريد أن ترراني بعد اليوم فالأفضل أن استغل شارعا آخر فكل الطرق الأخرى تؤدي الي المدرسة.

فتحت تلك الرسالة بعد أن وصلت الي المنزل و الغريبة أننا تصادفنا ذلك اليوم و أنا راجع الي المنزل و التقت عينانا و لمحت نظرة جديدة منها ماذا يا ترى في تلك الرسالة...كان فيها كلمات أغنية كتبت بخط نسائي خجول معطر تقول الأغنية في مطلعها

 "يالمصيرك تنجرح بالسلاح البيه مرة جرحتني..... أنا كنت بمشي علي أمل كان سراب كان بيه مرة فرحتني........." و يغني هذه الأغنية الفنان الرقيق الطيب عبدالله و لكن لم تتعدى تلك العلاقة تلك الرسالة التي لم يكتب ردها بعد و لم أعد أذكرها إلا عند سماعي لتلك الأغنية...

3 أبريل 08 

 و الي لقاء في محطة أخرى: برلوم العلوم و حكايته مع البلوم