محطة رابعة: عمارات سفارات

كل يوما نكتسب صديقا جديدا و لكن أجملها ما كسبناهم عن طريق "شكلة" فيا لتلك الأيام 


 

يتميز حي العمارات بالفخامة من حيث المنازل و قاطنيها و لا تكاد تري قاطني تلك المنازل الفخمة إلا لماما، فعادة ما يخرجوا من منازلهم تلك بسياراتهم و يعودون بها فأحيانا تلمح من بداخل السيارة لعدة ثوان قبل أن يفتح الخادم باب الجراج فتدلف السيارة علي وجه السرعة إلي داخل المنزل و يبقى الخادم خارجا حتى يطمئن من دخول السيارة و غالبا ما يحدجنا بنظرة تجعلنا نخطوا مسرعين إلي منازلنا و نترك موضوع أن نتعرف حتى على شكل قاطني المنزل. فالمنازل معظمها علي هذه الشاكلة خليط ما بين السفارات و منازل المواطنين مما جعلت "الركيب" المنادي في محطة الخرطوم الوسطي من مناداة ركاب التاكسي "الطرحة" إلي العمارات؛ عمارت ..سفارات !! ولكنه كان حيا راقيا و معظم قاطنيه من كبار رجالات الخدمة المدنية... القاضي أبوقصيصة و كبير الضباط عثمان حسين، جودة و محمد توفيق الصحفيين و عثمان السفير و جميع عائلات المجلس العسكري للفريق عبود بما فيه هو و منزله المتواضع في الدرجة الثانية و الكثير المثير من تلك العوائل المتعلمة و التي وضعت بصماتها في الحياة السودانية؛ سياسية كانت أم اجتماعية أو ثقافية. 

 

كان ناظرنا في المدرسة الثانوية الأستاذ شورة ثم نائبه عبد المنعم و كان هناك من الأساتذة ما أذكر خضر، محمد عثمان، أبو دقن و جارنا الآن رحمه الله الأستاذ عبد القادر أبو شيبة و من أقراني عيسي عبد اللطيف، صلاح، حمدوك، محمدين، التهامي و أشرف، عبد القادر عبد الغني "قرموط"، ميرغني أخو أستاذ خضر، التهامي و غيرهم ... جاري في الكنبة في السنة الثالثة "ب" كان صلاح جاد الله من أبناء حي القوز بالخرطوم أتفوق عليه بالطول و يفوقني بخفة الدم كان مرحا و ودودا و فوق ذلك ذو علاقات واسعة عرفت عن طريقه كثيرا من الأقران وفي الصف "أ" كانت مجموعة كمال جادين في نفس المدرسة أما مجموعة أخي عصمت فكانوا أكبر منا قليلا و معظمهم من أبناء الخرطوم جنوب فكانت المدرسة أشبه بالأسرة الكبيرة لا تجد كثير عناء في التعامل مع أي أستاذ أو طالب في أي مستوى مما خلق الكثير من الأصدقاء المشتركين فكان من مجموعة عصمت ناس صلاح "ديجانقو"، حيدر عوض، أحمد سالم، أحمد أبوشوك و صلاح "سليقة" و الذين ما توقفت علاقتهم فذهبوا بها إلي الجيش السوداني إذ قبل من تلك الدفعة الكثير من أصدقاء عصمت و أتوا إلينا بأصدقاء جدد من الكلية الحربية فكبرت معارفنا و أصدقائنا في كل الأصعدة كما امتدت صداقات كمال إلي كلية الطب و تعرفنا علي بقية العقد الفريد في كلية الطب بالخرطوم و زاد عليها صديقنا نبيل أبو قصيصة أطباء من زملائه في جامعة القاهرة بمصر.. و زدت عليهم أنا من كلية الزراعة..

 عزت- خوجلي- عصمت و صلاح

من غير مدرسة الخرطوم الجديدة تعرفت إلي عصام عتيق، السواحلي محمد مختار عثمان أمريكي الآن و الذي عرفنا به صلاح جادين و تصادف سكنه في بيوت الحجر بالقرب من منزل عمي خضر طه مما وطد علاقاتنا بجيرانهم و وطد علاقة مصطفى خضر بأبناء محمود جادين و عرفنا جيرانهم.. أحمد أبوشنب، معاويه، استيف و خليل الحلفاوي.. و من بنات حي الحجر الذين كانوا موضوعا لشقاوتنا.. "آه شورتنقا" و تعني الكلمة أه يا قلبي بالرطانه الحلفاوية إذ كان صاحبنا محمد مختار حلفاوي و عرفنا منه بعض الكلمات فكنا نطلقها علي بنت حلفاوية جميلة في بيوت الحجر و كانت مجموعة البنات في حي الزهور "الثورات" و هو لقب أخذناه من ستيف جار ناس محمد مختار الذي كان يطلقه علي كل شئ مثير فكان نوع من الشقاوة الممتعة لكلينا فلم نكن نغالي في شقاوتنا فاكتسبا ود الثورات و صاروا أصدقاء لنا بل صارت أحداهن حبيبة لي عرفت معها معنى الحب العذري الأول إلي أن فرقنا العريس الجاهز بعد عشرة أعوام في 1983. احتجت لوقت كبير بعدها لكي انخرط مجددا في علاقات و لكنها كانت كلها بلا طعم... كانت لنا رحلات و اجتماعيات كثيرة أذكر رحلات شلال السبلوقة مع المدرسة و جبل الأولياء و الجريف كل حين و آخر مع الأصدقاء و صيد السمك و ارتياد الحفلات العامة و الخاصة.

 

  عمر، حمامة، نحاس، سمؤل و كمالوجودنا في العمارات و نشاطاتنا المتعددة فيه دفع الي مجموعتنا المزيد من الأصدقاء كل يوما نكتسب صديقا جديدا و لكن أجملها ما كسبناهم عن طريق "شكلة" اذا كنا نسمع عن مغامرات مجموعة من الأولاد الأشقياء في العمارات الكثير... زعيمهم عبد الرحمن و أصدقائة كلهم مقاس واحد فارعي الطول و من كثر ما سمعنا عنهم بتا نخشاهم و لم يكن يجمعنا أصدقاء مشتركين أو زمالة في دراسة الي أن جاء ذلك اليوم و كان عبد الرحمن الذي لقبناه بعبد الرحمن الداخل: أسما استوحيناه لبطل من التاريخ الاسلامي لا بد أن له لحية مستديرة كلحية عبد الرحمن... كان يتوسط مجموعته يتسامرون و شاء حظنا و بينما كنا في سيارة محمد المرسيدس الرمادية الجميلة التي كنا نجوب بها شوارع الخرطوم في خيلاء و ثقة مما يبدو أنها أثارت حفيظة البعض و منهم ناس عبد الرحمن فعند مرورنا بشارع جانبي "فحطت" السيارة أي دارت لساتكها في الفاضي و أثارت الغبار فكان ذريعة لهم لايقافنا...

 

عمار، نبيل و سعدمالك "بتكتحنا" بالتراب ... قال عبد الرحمن لمحمد و هب واقفا استعدادا لشجار فاعتذر محمد فلم يقبلوا عذره و كنا على شفير شجارا أوقفه صوت من سيارتنا موجها لعبد الرحمن ... "يا عبد الرحمن داير تشاكل اصحابي" ... فتراجع عبد الرحمن ليتبين مصدر الصوت و لمن ... كان صديقنا الذي تربطه بعبد الرحمن و أهله الكثير من الروابط التي لم نكن نعرفها ...

 

سهرنا ذلك اليوم على شرف المعرفة الجديدة و استمالتنا لمجموعة عبد الرحمن و صاروا من أعز أصدقائنا رحم الله زميلهم و صديقنا "شريف" الذي راح مبكيا على شبابه قبل سنوات قليلة و أمد الله في أعمار البقية فمنهم من صار جدا كصلاح و آخرون تفرقت بهم السبل مغتربين و مهاجرين و سواح.... كمال جادين طبيب يعمل بالسعودية الآن و أخيه صلاح أيضا و لكن مفتشا زراعيا أما صلاح صالح ففي السعودية أيضا و لكن في حقل التجارة، عبد الرحمن أبونائب يعمل في احدى شركات الاتصالات، علي محمود اغترب لفترة طويلة بالامارات و رجع الي بالسودان الآن، نبيل أبوقصيصة طبيب، محمد مختار صاحب ملك في أمريكا يعمل بمتجره و في جيبه باسبورت أمريكي و كذلك قاسم ابراهيم ..أما أخيه اليسع فقد بقي مع أهله التجار بتاعين أمدرمان بالرغم من حصوله علي بكالوريوس الاقتصاد من رومانيا... أما ابن عمي مصطفى تاجرا كبيرا بالخرطوم ...

 

 و آخرون لقوا ربهم راضين مرضيين كمحمد أورتشي: رحمه الله توفى في أمريكا بوعكة صحية و شريف عرابي الذي توفى فجأة قبل عامين...

31 مارس 08

 و الي اللقاء في محطة أخرى... تاني كبكبة