محطة ثالثة: بدأت الكبكبة

كان مجموع ما تحدثت به معهن لم يتعدى سوى برطمة لم تتعدي عدة كلمات غير مترابطة


 
كانت أولى الاثارات و تحريك المشاعر تجربتان و إن لم يعمرن و لكنهما كانتا من قبل التعرف إن هناك قلب يمكن أن ينبض بالإثارة عندما يرى ما يفرحه و التعرف و لو مبكرا إن هناك شعورا خاص يمكن أن يتبادل ما بين البنت و الولد أكثر من علاقة اللعب بالتراب و عريس و عروس و لكن كان مجموع ما تحدثت به معهن لم يتعدى سوى برطمة لم تتعدي عدة كلمات غير مترابطة وفي المرتين تلعثم لساني في المقابلات التي نعمت بها معهن... فكانت الأولى بنت جيراننا في الخرطوم بحري والتي لا تتعدى العشرة سنوات و كنت وقتها في الرابعة عشر من العمر و كانت لدي مقتنياتي في الحوش الوراني للمنزل التي تتكون من تربيزة قديمة و خلفها يوجد سبورة سوداء استغلهم في بعض المرات في تدريس العناقريب المنتشرة أمام التربيزة و أحيانا كنت أرسم في السبورة رسومات مختلفة حالما امسحها و ارسم أو اكتب كثيرا كل ما تعلمته في المدرسة عليها مقلدا تارة أستاذ الحساب الذي يمسك الكتاب بشماله و دائما ما يحضر سوطه ليضعه في التربيزة جاهزا لمعاقبة كل مخطئ....أو أستاذ العربي.
 
كانت لدينا عدة لموسيقى الجاز أيضا ففي ذلك الزمن انتشرت أغاني الجاز و افتتن الشباب بها كثيرا فكنا نعرف فرقة البيتلز و نحفظ لهم "اتس هارد داي نايت" "شنو شنو لايك أ ساوند" طبعا كنا نغطي بصوت الآلات عندما نكون ما ناقشين الكلمات زي مغنين الأيام ديل الذين يستعينوا بالساوند في اخفاء عيوب أصواتهم.. كنا نعرف راي شارلس الأعمى الذى فتح قلوبنا و مشاعرنا لتذوق نغمات البيانو المدهشة و سام كوك و صوته الحنين. كانت لدينا شبكة تتكون من حبل الغسيل نقسم الفريق عصمت و اختي الصغيرة بجهة و أنا و الأكبر من ناحية و نلعب الفولى بول بكرة القدم ... لم يكن عصام يشاركنا كثيرا في لعبنا اذ يعتبرنا لسة شفع و هو الكبير الذي كان على أعتاب الكلية الحربية و كنا نخاف من اشراكه معنا فهو يفضل لعب الكرة الحقيقي مع فريق السكة حديد و الا الأمير كيف لا و هو ولد رئيس النادي... جذبه حب أبي للعب الكرة الحقيقي و كنا ننتظره بعد كل تمرين أو لعبة ليحكي لنا كيف ترجم ذلك الباص من عمق الميدان الذي استلمه الي هدف بعد أن تخطى اثنين من المدافعين.. أحيان نصفق له و مرات يرمقني عصمت بنظرة ان كان في الأمر مبالغة ... كنا نحكي لبعضنا مشاهد أفلام الكابوي يا سلام ...بالله ما شفت لمن "آلان لاد" طلع مسدسة في المبارزة الأخيرة بينه و بين الخائن لم يطلق رصاصتة بالرغم من أن مسدسه كان في وضع الاطلاق قبل الخائن الذي استغرب لعدم اطلاق رصاصته و يرديه قتيلا فتحقق من مسدس آلان لاد بعد أطلق رصاصته و قتله و لفرط دهشته وجد مسدسة معمرا مليئا بالطلقات و لكن بطلنا آلان فضل أن يموت و لا يستعر التنافس بينهم بعد ذلك...
 

كنا نتسامر و نقرأ و نلعب في ذلك الحوش أكثر مما نبقي في المنزل و لا ندخل الا لتناول الوجبات و سرعان ما نأتي مسرعين بعد الأكل حتى تحجز السبورة أذا كان لديك فكرة تود رسمها أو كتابتها و الا في مقعد الطبول اذا كان في رأسك لحنا و كانت بنت الجيران تشاهدنا نلعب و مرات تحضر بعضا من تلك المحاضرات من فوق الحيطة إذ يبدو أن لهم تربيزة قريبة من الحيطة تستغلها في الإطلالة على منزلنا... كنت أرمقها بنظرة عادية و لا أرى في نظراتها ما يوحي بأكثر من نظرة بريئة إلا بعد دفعت يوما لي بلفافة فعندما فتحتها أيقنت إنها كانت تكن لي شيئا مختلفا من البقية فقد كنا نجتمع كلنا في ذلك الحوش أختي اللتين يصغراني قليلا و أخي الأكبر و نتبارى في الرسم و التدريس و الشجارات و التي غالبا ما تحسم سياسيا أو هناك دائما الأيدي ترجح كفة الأكبر دائما... فعندما راجعت مقابلاتنا من قبل في محاولة لاستكشاف إن كان فيها جزءا من الاهتمام أكثر من البقية فلم أجد.... عندها صرت ارمقها بنظرة جديدة وقررت ردا لهديتها التي كانت تتكون من فتيل ريحة اسمها باترا صغير كان رائجا وقتها بهدية تعبر عن شكري لهديتها و أدخلني اختيار تلك الهدية إلي تعقيدات كثيرة من أين و ما هي الهدية التي تليق بها فاستشرت أخواتي و تحملت كم يوم من غير فطور في المدرسة حتى جمعت مبلغا لا أذكر ماذا قدمت لها و لكن اعتقد أفرحتها كثيرا... و أحزنتها لان من تاريخ استلامها لتلك الهدية و رحولنا من ذلك المنزل المستأجر إلي منزلنا في العمارات الذي اكتمل أياما .....أنهى تلك الحكاية.....

29 مارس 08

و الى لقاء في محطة أخرى: عمارات سفارات