هل يعني 5 يونيو لك شئ

الجهود العالمية في مجال البيئة و أين نحن في السودان منها في العام 2007


د. عزت ميرغني طه (نشر هذا الموضوع في 5 يونيو 2007)
 
إن يوم البيئة العالمي الذي يحتفل به كل سنة في 5 يونيو، يشكل إحدى الوسائل الرئيسية التي تشحذ بها الأمم المتحدة الوعي البيئي، وتعزز الاهتمام والعمل السياسي على نطاق عالميو يتم اختيار شعار الاحتفال علي النحو الذي يحقق المزيد من الوعي و الاهتمام بأحد القضايا المحورية التي تهم الأمم لتحقيق الاهتمام المناسب بها علي كافة المستويات.
 جاء الاحتفال بيوم البيئة للعام 2007 تحت شعار:
 
تغير المناخ  مـوضـوع السـاعة؟
 
 و ذلك بمنـاسبة الـعام الـدولي للمنـاطق القـطبيـة بحـيــث يكـون التـركـيـز عـلى الآثار السـلبيـة لتغـير المـنـاخ على البـيـئـات  والمجـتمـعـات  القـطـبيـة و النتائـج المتـرتبـة عن ذلك عـالميـاً.
وستجرى الاحتفالات الدولية الرئيسية بيوم البيئة العالمي 2007 في مدينـة ترومسو النرويـجيـة، ويتشرف برنامج الأمم المتحدة للبيئة باستضافة النرويج  يوم الأمم المتحدة الهام هذا.
 
فالشعار يطالبنا بأن نختار الطريقة التي نريد بها التعامل مع الأرض ومحيطاتها و الانتباه إلي موضوع تغيير المناخ فمنذالعصورقبلالصناعية،زادتدرجةحرارةالأرضبحوالي 0.75 درجةمئوية. ومنذالتسعينيات،شهد العالم احدى  عشرعامًامنالأكثراحترارًاعلىمدارالمائة و خمسة و عشرين عاما  الماضية كما سجل عام 2005 أكثرالأعوام احترارًا على الإطلاق وهناك إجماع كبيرعلى أن هذا يرجع إلى انبعاثات غازات الدفيئة، مثل ثاني أكسيد الكربون، الناتجةعن حرق أنواع الوقود الأحفوري.
 
كما يدعـو الشعار أيضا كل فرد منا إلى العمل على منح القضايا البيئية ملمحاً إنسانياً من خلال تمكين الناس ليصبحوا عوامل نشطة لتحقيق التنمية المستدامة والمنصفة؛ والترويج لمفهوم مفاده أن المجتمعات المحلية تقوم بدور محوري في تغيير المواقف تجاه القضايا البيئية؛ ومناصرة الشراكة التي تضمن أن توعد كل الأمم والشعوب بمستقبل أكثر أماناً وازدهاراً. فيوم البيئة العالمي هو مناسبة شعبية تتخللها الأنشطة النابضة بالحياة مثل المسيرات في الشوارع، وسباقات الدراجات، والحفلات الموسيقية الخضراء ومسابقات كتابة المقالات وتصميم الملصقات التي تنظمها المدارس، وغرس الأشجار، فضلاً عن حملات إعادة التدوير والتنظيف.
 
ففي هذا السياق وددت أن أكتب لتوعية المواطن متناولا الجهود العالمية في مجال البيئة و أين نحن في السودان منها في العام 2007 ....
 
مقدمة:
كان عام 1968هونقطة البداية في إثارة الانتباه العالمي لقضايا البيئة عندما أثار العضو السويدي المنتدب في الأمم المتحدة اهتمام المجتمع الدولي للمشاكل البيئية التي تعترض الإنسان. لم يكن صوته هو الأول منبها العالم لقضايا بيئة الإنسان فقد سبقته راكيل كارسون في كتابها الربيع الصامت وغيرها ولكن المهم في هذا الصوت انه كان صوتا رسميا في منبر الأمم المتحدة والذي استضافته السويد وفى مدينة استكهولم ولمدة عشرة أيام ابتدأت في 5 يونيو 1972 فكانت بحق أهم عشرة أيام في تاريخ العالم حيث خرج بعدها عملا مثيرا في مجال بيئة الإنسان .اعتبر يوم 5 يونيو يوما عالميا للبيئة وأنشى برنامج الأمم المتحدة للبيئة واستضافت مقره كينيا .
 
ما حوجتنا إلى ذلك الاهتمام بالبيئة
 
وجهت الدول الصناعية الكبرى بالآثار السلبية للتطور التقني والاقتصادي أمثال تلوث الهواء والمياه وتأثر المدينة والريف بحد سواء بالضوضاء والانفجار السكاني وما يخلفه من تدهور صحي .. فأفاقت تلك الدول بهذه الآثار البيئية الخطيرة فأفردت اهتماما اكبر بالبيئة وان قوبل هذا الاهتمام باتهامات من دول العالم الثالث بان الدول الصناعية الكبرى قللت من نشرها للتقانة الحديثة في العالم الثالث بحجة الاهتمام بالبيئة حتى لاتتبؤا دول العالم الثالث مكانا ارفع وتظل ترزخ تحت التفوق الاقتصادي للدول الصناعية الكبرى، وإنها اى تلك الدول الصناعية الاستهلاكية يمثل استهلاكها لموارد العالم بثلثي الموارد في حين أنهم يشكلون ثلث سكان العالم ، ويحدثون أثارا ضارة بالبحار والأرض والغلاف الجوى والبيئة بحالها ..وفى نفس الوقت تنظر الدول المتقدمة إلى دول العالم الثالث أنهم وبتزايدهم السكاني المطرد يمكن إن يخلفوا نفس المشاكل بالبيئة الطبيعية. فكان أسلوبهم بإتباع سياسة التقليل بدلا من المنع وذلك عبر صناعة أجهزة تقليل التلوث وحملت الصناعات تكلفة منع التلوث فانعكس ذلك على زيادة في أسعار السلع وانعكس ذلك سلبا على الدول الفقيرة.. إذ عليها أن تدفع ثمن ما تخربه الدول الصناعية المتقدمة في البيئة في صورة أسعار مرتفعة للبضائع التي تستوردها . فأصبح ظاهرا إن مشاكل البيئة مختلفة في الدول الغنية عنها في الدول الفقيرة فيما تعانى الدول المتقدمة من التلوث نتيجة للوفرة يلوث الفقر بيئة دول العالم الثالث وما زالت الدول الصناعية الكبرى تتحدث عن ضرورة تحسين أسلوب الحياة في الدول الفقيرة !!
 
“How could the developing countries be concerned with the deterioration of the quality of life ..When life itself is endangered by famine, diseases, malnutrition, lack of water, squalled housing conditions and natural disasters.,,
 
هذه المشاكل والتي أفرزتها نتيجة لقلة التطور تنظر إليها الدول المتقدمة إلي أنها مشاكل تقليدية ولكنها في نظرنا هي مشاكل بيئية صرفة تحتاج إلى أكثر من نظرة فاحصة في الطريق إلى احتوائها.  وحسب هذه الدول القليل مما تنفقه الدول الصناعية الكبرى في سباق التسلح لإصلاح حالها .
 
اتفاقية إقرار خطة العمل في بيئة الإنسان
 
هذا هو اسم الاتفاقية التي تمخض عنها مؤتمر الأمم المتحدة في استوكهولم عام 1972والتى تعتبر تتويجا للجهد العالمي في مجال البيئة وتوحيد رؤى الدول الغنية المتقدمة والدول الفقيرة المتأخرة نحو مشاكل البيئة.  في ذلك المؤتمر وقعت 113 دولة على هذه الاتفاقية ووضعت ستة وعشرين مرتكزا يعملون على أساسها .تضمنت كل المهددات البيئية في العالم وطرق التفاعل معها بحلول علمية وعملية نحو تداركها وتخفيف أثارها .
فتحدثت الاتفاقية عن الإنسان بحسبه الذي يعتمد على البيئة وفى نفس الوقت القادر على تغيرها إذ عليه تقع مسئولية :
 
تحسين أوضاع حياة الإنسان 
حماية وحسن إدارة موارد العالم حتى تبقى للأجيال القادمة ، حماية ومنع التلوث وصيانة البيئة
تعليم المواطنين بمختلف أعمارهم وتوسيع مداركهم نحو التوازن البيئي
الاهتمام وترقية البحوث العلمية التي من شانها وضع الحلول لمشاكل البيئة
إعادة هيكلة وتوجيه المعاهد ودور العلم العاملة في مجال البحوث النظرية الاقتصادية-الاجتماعية وخلق روابط عالمية بينها من اجل تقليل المخاطر من جراء أنشطة الإنسان في البيئة
خلق التجانس والسلام بين الدول وفض المنازعات عبر الاتفاقيات العادلة والمشاركة وخفض سباق التسلح
اعتمدت اتفاقية إقرار خطة العمل في بيئة الإنسان أيضا أسلوب خطط العمل فكانت خطة العمل للاتفاقية والتي ركزت فيها على :
حسن إدارة المستوطنات البشرية ، حسن إدارة الموارد الطبيعية ، التلوث والمظاهر الثقافية والمعلومات الاجتماعية والتعليمية وأثارها على التنمية والبيئة والتحوطات لرفع الفقر وسؤ التغذية، المرض والجهل فضلا عن حماية الموارد من التلوث والدمار
 
فكانت أن ضمنت خطة العمل للاتفاقية عدة محاور حسب الوظائف فصارت تقرا هكذا :
 
1/ التقويم البيئي :
وصار يرمز له " Earth Watch” ومن وظائفه اكتشاف وقياس المشاكل البيئية العالمية والتحذير بمخاطرها .كما يمكن أن يقوم ويحلل المعلومات لاستكشاف القصور في المعلومات و ترقية البحوث لإعطاء معلومات جديدة و مزاوجتها مع المعلومات القديمة للخروج بحزم المعلومات و جعلها في متناول الجميع.
 
2/ الإدارة البيئية:
إدارة الخطط المتخذة حيال الحماية و الصيانة و إعادة تأهيل الموارد حسب ما تشير إليه Earth Watch   أمثلة لذلك ترقية خدمات إمداد المياه و التخلص من الفضلات، حفظ الجينات لخدمة الأجيال القادمة و تقليل ملوثات الهواء
 
3/ قياسات مساعدة:
لتساعد في إدارة خطة العمل و قد حصرت في التعليم و التدريب و رفع الوعي البيئي للكافة. تبين لدى الناس بأن التعليم الرسمي الذي يناله التلاميذ في المدارس قد يخلو من المفاهيم البيئية فصادف أن نبهت الاتفاقية إلي ضرورة انتهاج وسائل التعليم البيئي في مختلف المراحل و ضرورة تدريب معلمي المدارس و تقوية و تسليح المنظمات الشبابية بالتعليم البيئي حتى يصيراكثر نفاذا إلي العامة و يتبعوا تعاليمه.
 
 رفع القدرات
الآن و بعد خمسة و ثلاثين عاما من تاريخ الاتفاقية نجد إن المعرفة صارت أعمق للبيئة المحيطة بنا، زادت أعداد الوزارات و المنظمات العاملة في مجال البيئة و تحسن القرار السياسي بعد أن اهتمت الدول بالتشريعات القانونية لحماية البيئة و سنت القوانين التي تعنى بصاينة الموارد الطبيعية و ترشد استغلالها. التفت الناس إلي مشاكل لم تكن تشكل خطرا علي الإنسانية في ذلك الوقت أمثال التصحر و الذي خلت اتفاقية اسكهولم من أي إشارة له و لكن تدارك المجتمع الدولي و دخلت حيز التنفيذ اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، الدفء العالمي و تهتك طبقة الأوزون. افرد لهذه الاتفاقيات مؤتمر ريوديجانيرو 92 (قمة الأرض) و ضمن الاتفاقيات الخاصة بالبيئة و التنمية ميثاق عن تغير المناخ و الذي نال موافقة كل الدول عدا الولايات المتحدة الأمريكية مرده إلي اعتراضها علي كميات غاز البيت الزجاجي في 2000 إلي مستويات عام 1900 و لكنها وافقت أخيرا علي الصيغة المخففة. كما أبدت بعض التحفظات في ميثاق التنوع الاحيائي في حقوق تسجيل المخترعات خاصة الدول النامية التي تملك الأصول الوراثية التي تستنبط منها العقاقير و المبيدات و المحاصيل لتصبح ملكا للشركات التي استنبطتها و لا حق للدول المالكة للأصول. و لكن أهم ما ميز مؤتمر ريوديجانيرو اعتماد جدول أعمال القرن الواحد و عشرين و الذي لو اعتمدت له الموارد المطلوبة من شأنه أن يحدث التنمية المستدامة و الارتقاء بحياة الناس بدون استنزاف لقاعدة الموارد.
 
في السودان شأننا و غيرنا من المنظومة العالمية شكلت البيئة و دراستها و البحث فيها عن طريق المؤسسات الحكومية و الطوعية و الجامعات و المدارس أهمية كبرى تعامل معها السودان بكل فئاته تعاملا حضاريا و جادا فكنا من الدول المائة و ثلاث عشر في مؤتمر البيئة العالمي الأول في 1972 و لم يغب عنا ممثلا في المحافل الدولية متابعة لشئون البيئة.  أما علي الصعيد الداخلي واستشعارا لأهمية صيانة البيئة من اجل التنمية المستدامة في السودان و من اجل الإيفاء بالتزام السودان نحو الاتفاقيات الدولية أنشأت الدولة المجلس الأعلى للبيئة و الموارد الطبيعية عام 1992 لينسق الجهود في مجال البيئة و الموارد الطبيعية و يكون قيما علي الاتفاقيات و العمل في و من اجل بيئة السودان و يكون نقطة الاتصال لكل الاتفاقيات في مجال البيئة. ثم قامت وزارة للبيئة و السياحة في 1995 و التي تغيرت إلي البيئة و التنمية العمرانية الآن.
 
ليست وزارة البيئة و التنمية العمرانية القيمة علي أمر البيئة فحسب بل هناك إدارات للبيئة داخل كل الوزارات مثل الزراعة و الري و الصناعة والثروة الحيوانية و السياحة و الثقافة و غيرها تهتم بالتنمية و البيئة علي حد سواء و تنسق تلك الجهود مع العالم وزارة التعاون الدولي و وزارة العدل. يساعد تلك الوزارات هيئات و إدارات تنفيذية مثل الهيئة القومية للغابات التي تقوم علي حماية الغابات و تنميتها علي نطاق السودان ومراكز بحثية و معاهد تدريبية و شكلت البيئة و دراستها و البحث فيها عن طريق المؤسسات الحكومية و الطوعية و الجامعات و المدارس أهمية كبرى. دخلت دراسة البيئة مناهج التعليم العام و العالي و أفردت جامعات برامج تخرج طلابها ببكالوريوس البيئة و أخرى علي مستوى الماجستير و لنا معاهد بحثية للبيئة و الموارد الطبيعية و توج كل هذا الجهد بقانون بيئي شامل وقع عليه في مارس 2000 و الذي نأمل أن تكتمل دورته ليصير قانونا ينظم انتهاكات البيئة و يحاربها ...
ففي هذا الاطار ينفذ الجلس الأعلى للبيئة و الموارد الطبيعية خطة قومية لادارة البيئة في السودان أقوم أنا بالتنسيق لهذا المشروع و تعاونني السيدة سوزان أيوت جاكسون و الدكتور يعقوب عبد الله. تم تقويم الحالة الراهنة من خلال مجموعة محاور كتب فيها الخبراء مجموعة من أوراق العمل و عرضت في ورشة عمل أولي خلال 18- 20 يوليو 2006 شارك فيها  الخبراء من الحكومة الاتحادية و حكومة الجنوب والولايات، بالإضافة إلي منظمات المجتمع المدني وشركاء التنمية من داخل و خارج السودان. و تم فيها  تركيز المعلومات المتوفرة و تم تحديث المعلومات لجنوب السودان و عرضت في ورشة عمل ثانية بجوبا خلال 31 أكتوبر -2 نوفمبر 2006 و كتبت مسودة الخطة القومية  لإدارة البيئية من خلال ما قدم في ورشتي العمل الأولى بالخرطوم و الثانية بجوبا و ما توفر من معلومات في البيئة في السودان لتعرض في ورشة عمل ثالثة في 8 يوليو 2007 توسع فيها المشاورة بغرض إجازتها .
نأمل أن تكتمل جهود المجلس الأعلى للبيئة و الموارد الطبيعية في وضع الخطة القومية لإدارة البيئة في السودان كما نأمل أن تكون دراسة التقويم و الأثر البيئي هي الفيصل و جواز المرور لتنفيذ أي مشروع تنموي كما نرجو أن يكون العمل الطوعي في إصحاح البيئة هو هم كل مواطن.. و ليكن قول الله سبحانه و تعالى "إنا كل شئ قد خلقناه بقدر" هو هادينا لإحقاق معنى الآية و لتكن المقولة "إنا لا نرث الأرض من أجدادنا بل نستعيرها من أحفادنا" شعارنا حتى نسلم أجيالنا كوكبا معافى يعيشون فيه في تناغم تام مع بيئتهم.