عشان ما تفقدوني

تخيروا كلماتكم أيها المطربين و انتقوا المطربين يا ناس المصنفات


 في مجالنا الفني هناك قامات سامقة في الغناء و الطرب ملكوا أفئدة الناس بكلماتهم الجميلة و ألحانهم العذبة فكلما كان الشاعر صادقا في وصف أحاسيسه في ذلك الزمن كلما بقيت الأغنية خالدة في أذهاننا و قطعت نياط قلبنا كلما سمعناها و كل يبكي ليلاه... و لكن ليس كل المواقف تحتاج الي البكاء و الندم فهناك حفلات الخطوبة و العرس و الطهور. فيحتاج حفل الخطوبة الي كلمات مشجعات حتى يمضي الخاطب في مشروعه الأبدي غير عابئ بكلمات المغني "ياما بكرة تندم و أنا حالك بشوفه" و لا يحتاج العريس الذي يعرض وسط أصدقائه و معارفه في حفل الزفاف علي أنغام مناحة أو يترنم له المغني "في الليلة ديك" و يشككه في عروسته.

 

و لا أنا في الصباح    دخلت مرة إلى مطعم أتناول فيه وجبة الافطار فكان ذلك المغني الذي لا أعرف له اسما يترنم عبر المسجل وبالصوت العالي حيث دائما ما يضبط ناس المطاعم و الاستديوهات و محلات بيع الكاست و الحافلات و البصات السفرية موسيقاهم بمستوى رنين خمسة .... و لكنه استطاع بكلماته أن يقفل شهيتي و يجعلني أجري مذعورا تاركا خلفي صحن الفول الذي أحبه كثيرا... تصور عزيزي القارئ يصف ذلك المغني حاله اذا هجره المحبوب؛

عشان ما تفقدوني العسل دا، و يبكوا فيني العسل دا، و يبردوني و يقوموا يكفنوني.. و بالعنقريب يودوني فلما وصل الجامع كنت قد تركت الفول و جريت مشفقا علي من تركتهم خلفي و الذين قد يكونوا وصلوا معه الي ود الأحد.

 الموت سبيل الأولين و الآخرين فلا بأس أن يذكرنا به إمام الجامع أو تلفزيون أمدرمان الإسلامي و لكن ليس ذلك المغني و علي هذا النحو... و بذلك الصوت العالي ففي جميع أنحاء العالم أجمع أناس البيئة بالأثر السلبي للضوضاء و لم يألوا جهدا لتقليل أي مصدر ازعاج، فسماع الموسيقى مثلاً هو بالشيء الممتع و المريح للأعصاب لكن إذا وصلت لحد الإزعاج فنوصفها بالضوضاء المزعجة و كذلك أصوات الباعة الجائلين و أصوات الجيران المختلفة و أصوات الكبار و صراخ الأطفال فضلا عن تلك الصادرة من الاجهزة من راديو أو كاسيت أو تلفزيون و آلات الصناعة و وسائل النقل من طائرات، دراجات بخارية و سيارات و غيرها من المصادر و التي دائما ما يكون لها أثرا سلبي ليس من الناحية النفسية فقط من عدم الرغبة في سماع الصوت  بل جسدية أيضاً متمثلة في عدم المقدرة على سماع الصوت  لكونه أعلى مما يمكن أن يتحمله تركيب المخ. فضلا عن الذوق و الرقي في التعامل.
 
فلدى كل الشعوب دائمت منهجا تكاد تلمسه في طريقة محافظتهم لبيئتهم، في تعاملهم الراقي و في طريقة كلامهم فهناك شعوب يتحدثون همسا فلا يمكن ان تسمع ونسة بصوت عالي كما يحدث عندنا الآن اذ صرنا نتحدث في الحافلات و في الحصص و المحاضرات ناهيك عن الحديث في التلفون فبعضهم لم يكتفي بما يبثه هو بل اصر أن يجعل المكالمة مباشرة كم من كان يتحدث عبر الميكرفون الخارجي لهاتفه الجوال فلم يتعكر صفو اجتماعنا من رنين هاتفه و كلامه مع الطرف الآخر فحسب بل سمعنا مهاتفه من ميكرفون جهازه و نعمنا بمكالمة مباشرة كما في إذاعات الاف أم السودانية...و التي يبدو إنها هي كذلك قد عقدت العزم أن تستخدم الهاتف حتى في برامج الأطفال و ليت المستمع و مقدمي البرامج كانوا علي درجة من الوعي و الحضور الإذاعي لكي نخرج بحوار سلس غير حوار الطرشان الذي يمارس يوميا علي تلك الإذاعات فقد سمعت مستمعا ذات مرة يتصل علي مقدم برنامج و بعد السلام وشكواه من الصعوبة حتى دخل التلفون معه بعد محاولات مضنية و كان يود بإصرار أن يحل المسابقة و لكن ردت عليه مقدمته بأنه الآن يتصل ببرنامج الأطفال راجية منه "ممكن توطى صوت الراديو شويه" و تسأله إن كان يود أن يجري مداخلة فاعتذر منها و ضحك و ضحكت أنا علي حالنا و قلة حيلتنا.
 
فهل يا ترى نستطيع أن نتهم تلك الإذاعات بالإزعاج العام و هل هناك أمل في إنصافنا .. علي العموم نبدأ و نشتكي إلي الله منهم فنحن مجبورون أن نسمع كثيرا من سيل تلك الإذاعات عندما نصلب في شوارع الخرطوم المكتظة دائما بالسيارات و عساكر المرور و نكاد نكون قد حفظنا عن ظهر قلب "مشتاق ليهم ... أتصل فيهم" "بفتش لى في شريحة و موبايل و ما لاقي" و الا أغاني الدعايات و محلات العفش "يا تدقونا يا تخلونا " و غيرها من ملوثات بيئتنا الوادعة التي استبدل القائمون علي أمر هذه الإذاعات بأغاني مثل "يا صباح يا زاهي العبير .. سلم لى عليهم كثير" في الصباح باصوات نشاذ لمطربين جدد دمروا أغاني الساعة حداشر نصت نهار الجميلة التي روت لي أمي رحمها الله إنها كانت تطربها كثيرا وأكيد هي السبب في ملاحها الطاعم. 
 

أما الشباب دون العشرين فغالباً ما يتعرضون لنوع آخر من مصادر الضوضاء المخربة و نعنى بها الموسيقى العالية الشدة،  الموسيقى الصاخبة و الأغاني الهابطة التي يتغنى بها مطربي حفلات الأعراس هذه الأيام. تخيروا كلماتكم أيها المطربين و انتقوا المطربين يا ناس المصنفات فلا  يمكن لصاحب مطعم أو حافلة او بص سفري ان يسمعنا مثل هذه الأغاني العجيبة.

 

مقال             تالي: أيها المسئول دعوة