محطة أولى: جانا ولد

فكثيرون ممن سمعوا بعزت و لم يروه كانوا يظنون انه حلبي ابيض ذو شعر غزيرشديد السواد و ليس مثلي فلوني كلون سائر السودانيين أسمر و عيوني عسلية


عزت، الابن الثالث في ترتيب ابناء المرحوم ميرغني طه ولدت في صباح يوم 17 فبراير عام 54 في مدينة المقرن بالخرطوم منازل السكة الحديد التي امتدت اليها معاول المحلية فهدمتها و لكن يبدو أن الحنين للصرة المدفونة هناك يتاور فقد عدت الى المقرن بعد خمسون سنة مالكا لمنزل هناك و ما زلت به حتى هذه اللحظة. حدثتني امي عن خالي أحمد الذي توفي في أول العام و كان مولدي بمثابة مسح لحزنها عن أخيها.
 
لم أدري من اين أتى والداي باسم عزت، لم يكن لهم قريبا يدعى عزت و لم يكن اسم جد أو صديق لهم و الغريب ان عمي أيضا سمى ولده باسم غريب عن ما هو مألوف "عصمت" و كان يكبرني بسنتين فهل يا ترى أعجب اسم عصمت والدي فقد سماه لاخي الذي يكبرني بسنة و نصف ثم اتى باسم مرادف له في الموسيقى و اطلقه علي فصرنا عصمت و عزت أم التقطه والدي من مصر فقد رجحت انه و خلال سفرته الي مصر للتدرب في اعمال السكة الحديد قبل مدة من مولدي ما أوحى له بهذا الاسم... عموما شكرا لهم فقد سمياني اسما جميلا لا أعرف له معنى و لكنه ميزني بين اقراني فما ذهبت الي مدرسة أو جامعة الا و كنت الوحيد الذي يدعى عزت و كنت احب ان اسمعه جدا من الجنس اللطيف و هن ينادينني "عزت" فعند تقديم شيك للبنك اتعمد ان اجلس بعيدا عن الشباك حتى تنده علي موظفة البنك لتصريفي فأحيانا أطرب لسماع اسمي و أحيانا لا فليست كل الأصوات جميلة و لكنها تزيده ألقا...
 
فكثيرون ممن سمعوا بعزت و لم يروه كانوا يظنون انه حلبي ابيض ذو شعر غزيرشديد السواد و ليس مثلي فلوني كلون سائر السودانيين أسمر و عيوني عسلية كما كتب في باسورت السفر. فعند سفري للتعلم في المانيا كان لي صديق في مدينة تبعد عنا قليلا ود يعرفني علي السودانيين في مدينتي فقال لي ان احدهم لم يبد رغبة في معرفتي قائلا "بانه جنو وجن الاقباط لا يحبهم" فلما عرف اني قبطي محروق جاء و صار من اعز اصدقائي حتى عدت من هناك، و كثيرون يكتبونه بالتاء المربوطة فغالبا ما أصير عزة عندما يصرمتحصل النفايات من المنزل بكتابة اسمي بالتاء المربوطة بالرغم تصحيحه عدة مرات و موظفات السوق الحر و المحلية فكان دائما الحوار الاسم؟ أقول عزت فتكتب الاسم و عندما تأتي في آخره احرص ان انظر اليها فاصلحها بالتاء الفاتحة فالغريب كن يستشطن غضبا عند تصحيحي لهن أكاد اشعر به من عدم الاهتمام في كتابة بقية المعلومات و الظاهر يلعن في سرهم "هو دا اسم شنو ذاتو" 
 

أما شرطي المرور كتبه عزمي في رخصة السواقة فصرت احمل رخصة لعدة سنوات باسم عزمي و لم تتغير الي اسمي الا بعد اشهار من المحكمة بأن عزمي و عزت شخص واحد. كما أخرني اسمي من السفر مرة لتطابقه مع اسم واحد مصري اتهم بمحاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في اثيوبيا قبل فترة و يبدو انهم وضعوا اسم عزت في قوائمهم كشخص مشتبه ..أخذ مني رفع اسمي من قوائمهم ستة أيام قابلت فيها وزير العدل الذي خاطب ادارة الجوازات بانني لست الشخص المقصود و اعطوني خطابا بهذا المعنى ما زلت احتفظ به... و لكن ما اضحكني ورود اسمي مرة في احدى اغاني البنات التي تقول "و أنا مالي يا عزت..خطبوني و سدو مالي يا عزت!!" لفترة ثم نسوه يبدو بعد ان قنعوا من خيرا فيي..

 

منزل السكة حديد

 منزل السكة حديد الذي سكنا فيه عام 1960 ما زال بنفس الهيئة التي تركناه بها عام 65

 فالوالد كان يعمل في السكة الحديد و يتنقل من مدينة الي أخرى تبع تنقلات موظفي السكة حديد فشهادات ميلادنا كانت تعكس ذلك الحال حيث ولد عصام و عفاف بشندي، عصمت بكريمه، انا بالمقرن ثم عواطف و مني بشندي فعلاءالدين بالخرطوم. كانت آخر محطة قبل انتقالنا الي الخرطوم هي شندي التي حضرنا منها في عام 1960 الي منازل السكة حديد بمدينة بحرى و في منزل مفتش المحطة اذ كان بالحي حوالي خمسة أو ستة منازل علي مسافة منا و لكن كان منزلنا متفردا الشكل و تقف أمامه شجرة نيم كبيرة قطعنا لحاها بالسياط تقليدا لأساتذتنا. ما زال موجودا في محطة بحري و بنفس هيئته التي تركناه فيها عام 65 الا أن تصحرا قد أصاب حيطانه الخارجية و لكن ما زالت القطيتان على أحسن حال و ما زالت تذكاراتنا عليها فقد وجدت اسم عصمت الذي نحته في القبة الغربية عام 63 محفورا فيها مثلما حفر رحيله من هذه الدنيا جرحا غائرا في وجداننا الي يومنا هذا .... صورت اللقطات للمنزل يوم 21/9/2008 

 تذكار عصمت ما زال ظاهراتذكار (عصمت) رحمه الله ما زال على حاله الى اليوم و تظهر الحروف الأولى من اسمه

 

يتكون المنزل من غرفتين كل بسقف في شكل قطية كقالب العصيدة مستديره الشكل و كانتا بمثابة سبورتين عظيمتين لنا كتبنا بالطبشور فيها و نحتنا كلنا تذكاراتنا عليها و يحلو لنا الجلوس في طرفها لمراقبة حركة القطارات.

 

كانت محطة بحري محطة نشطة يغادر منها صباح كل يوم قطارا للركاب يحفل بالمسافرين و المودعين و تستقبل قطارات من شمال الخرطوم كذلك ولكن كان الفرق شاسعا ما بين القطارات المغادرة و تلك الآتية اليها فبقدر ما تكون القطارات المغادرة نظيفه و ينتظم داخلها الركاب يطلون بأوجههم من الشبابيك باشين و ملوحين بايديهم مودعين بقدر ما تكون القطارات القادمة الي محطة بحري علي قدر كبير من عدم النظام فترى ركابا وقد تراصوا بالعشرات فوق أسطح عربات القطار و لا تكاد تتبين ملامحهم التي يعلوها الغبار وترى بعضهم و قد تلفح بثوب لا تتبين له لون و لا شكل لكنك تتبين تحت الغبار سعادة حقيقية في وجوهم لوصولهم إلي الخرطوم و انعتاقهم من ذلك القطار......

23 مارس 08

و الي اللقاء في محطة أخرى: بديت القراية